12-2011

جوال 0122630810  مكتب 0623301097  العنوان 17 ش الجلاء بالسويس اعلى المركز البريطاني امام حديقة الخالدين) 

أخر أخبار الموقع
2014/11/23 16:42:25 - الكتب القانونيه والابحاث والدراسات - المفاجأة الرابعه الجزء الرابع من كتاب الوسيط في شرح القانون المدني - 2014/11/23 16:34:18 - الكتب القانونيه والابحاث والدراسات - المفاجأة الثالثه الجزء الثالث من كتاب الوسيط في شرح القانون المدني - 2014/11/16 16:26:36 - جديد القوانين و التشريعات و القرارات - نص قانون المرور الجديد، الذي بدأ تطبيقه - 2014/11/9 22:34:55 - الكتب القانونيه والابحاث والدراسات - الجزء الثاني من كتاب الوسيط في شرح القانون المدني-آثار الالتزام - 2014/11/8 8:01:08 - الكتب القانونيه والابحاث والدراسات - كتاب الوسيط في شرح القانون المدني-الجزء الاول مصادر الالتزام -
ثقافة عامة : كتاب المساكين للرافعي
بواسطة عاطف في 2011/8/8 16:11:55 (730 القراء)

كتاب المساكين للرافعي



كتاب المساكين للرافعي
الشيخ علي
هو رجل تراه في ظاهره من الدنيا ولكن باطنه يلتحق بما وراء

الطبيعة . وكان ينبغي أن لا يقوم مثله على مسرح الخلق إلا ممثلا ، وأن

لا يمثل إلا الوجه المطلق من الحياة ، بعد أن استقصى الفلاسفة إلى


تمثيله كل ذريعة فلم يستو لهم أن يمروا فيه ، وقصر بهم التكلف ،

وقطعتهم دونه الفلسفة التي حملتهم عليه - فخُلق الرجل نشيطا ،

مهزوزأ ، راميا بصدره ونحره ، معترضا في زمام القدر كأنه صورة

الفكر الذي يمثله وكأنه أسلوب قائم بنفسه في بلاغة الطبيعة .

وأحسبه في نظره إلى الخلق يتوهم أنه رحالة خرج من بعض

الأفلاك التي تعرف ( بالعقول العشرة *) فهبط من أشعته على الدنيا،

فهذا العالم شيء جديد في نفسه ، وهو شيء جديد في العالم . . .

. . . ينظر إليك كما تنظر إليه ، فأنت تتبين في سحنته الواضحة

أوصاف الجنون الهادىء وتعجب من منظر تلك العاصفة النائمة في

عينيه ، وهو يستجلي منك معنى الغرابة في قدرة الله إذ أنشأك مثالا

غير مفهوم ويطيل عجبه منك أنك على ما فيك تتعجب منه 0

ولكل رب ار في رأية إنما هو صورة من الرجل الصحيح الذي لم تزور

فيه حرفة العيش ومطالب الحياة شيئا على الله ..

ولكل امرىء سؤال يترد بين نفسه وبين السماء ء فرجل يقول :

اللهم هذه القوة فاين الرزق ، واخر يقول : وهذا الرزق فأين القوة !

وثالث يصيح : هذه هي العافية وهذا الرزق فأين السعادة؟ والشيخ

علي كانه يقول : اللهم إنه لم يبق من الإنسانية إلا حشاشة تسوق

بنفسها وكل رجل من هؤلاء صورة مقلدة فأين الأصل ؟

لما ولد هذا الرجل ، ولعل الطبيعة يومئذ كانت في صميم الخريف

ثائرة مجرودة غبراء . . قامت أمه عن نجم منطفىء لا تعرفه الأرض

وقد زهدت فيه السماء ء فكان رضيعا ثم فطيما ثم جحش . . . ثم ترعرع

ثم صار يافعا وعاد فتيا وانقلب كلا وهو اليوم يحطم الخمسين وكأنه
لم يكن في كل ذلك شيئا ، ومتى سويت عليه الأرض لم يترك وراءه>>



إلا سطرا ضئيلا في سجل الموتى ، فكأن الخير والشر لم يدركا هذا

الرجل ، وكأنه روح كتب عليها الحبس في جسمها فلا تشهم أمرا من
ورائه حق تنطلق ، وكأنه حي هى رغم الحياة !

و ترى أي عقل يعيش به؟ بل أي عقل وأي جنون ليس من

أثرهما الخير والشر؟ إن أكبر من تنجبه الفلسفة ويخرجه الأدب ليطوي

عمره طيا وراء هذه الغاية البعيدة ، وما حياة الفلاسفة إلا اختيار

للوت ، فهم يميتو في أنفسهم كل سبب إلى الشهوة ، وكل داعية إلى

اللذة يحيون بالقسم الأعلى وتبقى مادة الأرض فيهم كأنها أرض بور

عارية المخاسر لا تخصب ولا تنبت ، وهذا ( الشيخ علي ) كله أرض

بور .. . فهو عصر برأسه من تاريخ الأخلاق ، وعلى أي الوجوه اعتبرته

رأيته كشيوخ الفلاسفة وحكماء الدنيا . يعيش في الناس بعقل غير
العقل .. .

ولو تنفس به العمر فبلغ المائة وجاوز العصرين ما زاد كل

عمله هى أن يشبه نفسه ، فهو حليم لنفسه غضوب لنفسه ، وكذلك

هو في الخفة والوقار ، والضحك والعبوس والزهو والانقباض ، وفي

كل ضدين منهما لذة وألم . كأنه جزيرة قائمة في بحر لا يحيط بها إلا

الماء ، فلا صلة بينهما في المادة وإن كانت هي فيه ، فالناس كما هم ، وهو

كما هو : يرونه من جفوة الزمان أضعف من أن يصاب بأذى ، ويرى

نفسه من دهره أقوى من أن يصيب بأذى ، ويتحاشونه رأفة ورحمة

ويتحاماهم أنفة واستغناء ؛ ثم إن مسه الأذى من رقيع أو سقيط أحسن


إلى الفضيلة بنسيان من أساء إليه فيألم وكأن ألمه مرض طبيعي

يعتريه ، ولا فرق عنده في هذه الحال بين أن يمفص بطنه بالداء أو

يمفص ظره بالعصا . . !

وهو والدنيا خصمان في ميدان الحياة غير أن أمرها مختلف جدا


فلم تقهره الدنيا لأنه لم يطمح إليها ولم يقع فيها، وقهرها هو لأنها

لم تظفر به !

وإني لأرى في اللغة كلمات لم تقع على معانيها ولم تجتمع اللفظة منها

بمدلولها؛ فكلمة السعادة تبحث عن معناها في الناس وأهوائهم وشهواتهم ،

ومعنى السعادة يبحث الناس عنه في هذه الكلمة وحدودها وحقائقها ،

وربما كان هذا المعنى بجملته ملقى تحت الشمس في زاوية من زوايا

القرى ، أو متفيئا ظل شجرة من شجر الجميز ، أو نائما تحت سقف

معروش من حطب القطن ، أو جالسا يضحك في ندوة الحي ، أو قائم

يتأمل مجرى النهر ، أو مضطجعا يقلب وجهه في السماء ، أو هو الذي

يسمى الشيخ علي !

. . . وماذا في السعادة أهنأ من أن توقى شر هذه السعادة فلا

تتطلع نفسك إليها ولا ينالك الا ما تحب أن ينالك ، فأنت بعد وادع

قار آمن في سربك ، معافى بدنك ، خارج من سلطان ما بينك وبين

الناس ، من خلق مستبد ، أو رغبة ظالمة ، أو صلة عاتبة ، ولا حكم

عليك إلا لمالك الملك . . . ولم يفتق الله لك من فنون اللذات ما ينغصه

عليك ، ولا ضرب منك مثلا ، ولا نص لك عقابا ، ولا جعلك مرآة

عدو يصلح فيها نفسه، ولا نصبك لمجاراة أو مباراة ، وقد جنبك فضوح


هذه الدنيا ، والدنيا من السوء بحيث يفضح فيها بعض الخير

ما لا يفضح بعض الشر


ثم ماذا أنت طالب من السعادة إذا هانت الحياة فلم تضعف عن احتمالها،

ولم ترمك بداء في مرض العيش إلا قمت له، ولم تحملك على

أمر إلا تحملت عليه ، ، وقيت على نفسك فلم تكذبك املا ، ولم تخدعك في باطل ، ولم

تجاذبك إلى مورد لا تصدر عنه إلا آثما أو نادما ، وكنت من نعمة الله

مخفا لا تحمل إلا راسك ، ولا تجوع إلا ببطنك ، وقد كفيت أن تضرسك

نزغات هذا الرأس ، وأمنت أن يقتلك داء هذا البطن ، ولم يضربك الله بشيء


من هذه النعم المنافقة التى يأتي بها المال ، حين يأتيك بالجاه وأصحاب

الجاه ومن يريدك لمالك وجاهك ، وأعوذ بالله من النفاق ومن نفاق

النعمة خاصة ، فبينا هي لك إذا هي عليك ، ، وبينا هي متاع إذا هي التياع،

وبينا هي في طعامك شيء إذا هي من طعامك قيء .....

وهل في النعمة خير من الكفاف حاضرا ، ومن الصحة فارهة ،

ومن قرة العين وضحك السن واستطلاق الوجه، وأن يكون القلب في حجاب


من نور السماء ، لا تهتك عنه رذائل النفس ، ولا يعلق به غبار الأرض ،

ولا يتغشاه ظلام الحياة ولايزال هذا القلب في نضرته وصفائه كأنه سعادة

مخبوءة في غيب الله يخلق بعد من خبئت له؟

وكذلك أعرف "الشيخ علي"فهو رجل سدت في وجهه منافذ الجهات كلها إلا جهة

السماء ، فكأنه في الأرض بطل خيالي يرينا من نفسه إحدى خرافات الحياة ولكنه مع


ذلك يكاد يخرج للدنيا تلك الحقيقة الإلاهية التي لا تغذوها مادة الأرض ولا مادة

الجسم ، فهي تزدري كل ما على الأرض من متاع وزينة وزخرف ، وكل ما ردت


عليك الغبطة من بسطة في الجسم أو سعة في المال أو فضل في المنزلة وكل ما أنت


من إقباله على طمع ومن فوته على خوف : تلك الحقيقة


الطاهرة التي تكون أعظم ما أنت واجدها في سير الأنبياء والصديقين


والشهداء ، أو حيث يكون ذلك العقل الجبار الذي لا يشبه عقول


الناس ، من نبوغ يخرق العادة ، أو جنون تخرقه العادة ، وما الجنون
إلا نبوغ فوق الطاقة ، ولا النبوغ إلا جنون رقيق !
وكذلك أعرف الشيخ علي فهو أجهل الناس في الدنيا، وأجهل
الناس بالدنيا ،كأنه من هذه الجهة ممتلخ العقل ، وأن إذا سطعت
له يالجوهرة الكريمة النادرة فلا يعدو أن يراها حصاة جميلة تتألق ،
.إن هولت عليه بألوان الخز والديباج حسبك مائقا لم تر قط نضار
البرسيم و ألوان الربيع ، وكاني بك لو وصفت له الذهب وما أضرمت
ناده في الأرض وهي برد وسلام ، وما أيقظ جماله من الفتنة التي استحال عليها أن تنام ، ثم أريته شعلة من هذه النار في غرة الدينار ،لتضاحك منك إذ تريد أن توهمه بما أعظمت هن ذلك الشأن – أنك سلبت ملك الله قطعة من الشمس التي غربت أمس ء ولرأيت من زرايتها عليك ما يعلمك أنه ما أكبر هذا الدينار في عينك إلا صغرٌ في
نفسك ،ولا ملأ يدك بالحرص عليه إلا فراغ ما بيك وبين الله ولا
كدك في طلبه إلا أنك مسخر، ولا أذلك للمال إلا خضوعك للآمال ،

وما أنت إلا في قيد من الهم حببه إليك أن قفله هذه القطعة من
الذهب!!
وإذا أحضرته ألوان الطعام وجلوت عليه أبهة الخوان وقلت له :

هلم فارتع وأصب حتى تنتأ رمانتك ` رأيت من نفوره واحتجازه
كأنه يقول لك : ويحك ! وهل للبطن كبرياء وهو ستار على أقذار ،

وهل يسع كل هذا وما هو بالعريض الطويل ، ولا سلامة له إلا بالقليل
لأنه قليل ، وهل تحتمل ما في العنقود حبة واحدة ، ويحتمل الغني
أن يكون في صندوق الإلهي حاجة زائدة ،ويبلغ الحمق من هذا
الإنسان أن يميت قلبه لأنه وجد النعش من المائدة؟

وكذلك أعرف الشيخ علي فهو لا يرى في الأشاء غير ما خصتها به
الطبيعة ، ولا يرسل عليها إلا أشعة صافية من عينيه الضاحكتين لم
لم تخالطها ألوان النفس ولا زفرت عليها أنفاس القلب وما ثم غير الانقباض
والنفور أو الاستئناس والانبساط ، فإما رآها قبيحة وإما رآها جميلة ،
ومتى قسمت الأشياء عنده إلى قبيح وجميل فليس وراء هذين ثالث في
التقسيم ،وليس إلا جميل جميل وقبيح قبيح ، فاما المأمول والمرغوب
والتنافس فيه ،المتبرم به وائسخوط عليه ، وما جاء بالشقوة وما
جاءت به السعادة ء وما كان من ورائه حبذا وليت ء وما أعانت عليه

لعل وعسى ، ثم كان وأخواتها ، وإن وبناتها ، ثم أنا وأنت وهو ، ثم
انعطف على هذا النحو أو انفرع منه _ فكل ذلك تقسيم لا يفهمه

شيخنا ، وما هو من جده ولا لعبه لأن صفحة نفسه ليست كألواح
الأطفال : يثبتون فيها ما لا بد من محوه ، ويمحون ما يعودون إلى
إثباته ، ليتعرفوا ما أصابوا مما أخطئوا ،وليتعلموا كيف ينغي أن
يتعلمو ا .


وهل تجد _ أعزك الله _ في هذا الناس من يحسن أن يوقرك . إلا
وهو يحسن أن يحقرك ؟ ومن يعرف كيف يشكرك ، إلا وهو يعرف

كيف يكفرك . ومن يقول لك حفظك الله ، إلا وهو قادر أن يقول ،
أخزاك الله . . . فالناس عبيد أهوائه ، وأينما يكن محلك من هذه
الأهواء فهناك محل اللفظة التي أنت خليق بها ، وهناك يتلقاك ما أنت
أهله ء أو ما يريدون أن تكون أهله ، وليس في الناس شيء يزيدك
كمالا من غير أن يزيدك نقصا ؛ حتى إيمانك ، فإنه كفر عند قوم ؟
وحتى عقلك ، فإنه سفه لطائفة ، وحتى فضلك فإنه حسد من جماعة ،
وحتى أدبك ، فإنه غليظ لفئة .

أما شيخنا فقد مسح الله نفسه ومسح ما به من الناس ، فليس في
صدره ولا صدر أحد حسيكة عليه . وهو أبدا في صمت بليغ
كصمت الطبيعة ، وكأن فهمه شيء من هذا الصمت فلا يتصل بفهمه
ولا يداخل فكره إلا الجمال والقبح والطبيعة نفسها تخرج الجميل
تفسيرا للقبيح ، و تظهر القبيح تعليقا على الجميل ، وكذلك الشيخ في
إدراكه .

وأجمل ما يرى من وجوه الحياة وجه السماء الصافية ، ووجه النهر
الجاري ووجه الأرض المخضرة ؟ ووجه الرجل الطيب ،ووجه
المرأة الجميلة : كل أولئك عنده سواء 0فليس وجه خيرا من وجه ،
لأنه لا يحسن أن يؤول لغة الطبيعة فلا ريبة فيه ، ولا يتزيد في معانيها
فلا كذب في حواسه ، ولا تخاطبه الطبيعة فيما تو حي إليه إلا بأسهل
ألفاظها وأطهرها وبمقدار ما خلق له إذ لا ترى فيه غير تلك الحيوانية
الضعيفة التي هي ضرورية لحي منقطع مثله ، وما كانت لوثة عقلو إلا
فصلا بينه وبين الإنسان في حيوانيته ، وإن شر ما تكون هذه

الحيوانية حين تكون عقلية محضة ، وراءها عقل العالم واختراع المخترع
وفن المتفنن .


وقد يكون الشيخ علي رجلآ تسعا في رأي الناس ء لأنه حيوان
ضعيف وإنسان أضعف ، ولكنها تعاسة بالغة ، فهي من تلك الآلام
الحادة الق بالغت الطبيعة في تكوينها لتخرج منها ذلك النوع الشديد
الحاد الذي يسونه اللذة ، وربما كانت التعاسة السامية خرا من سعادة
سافلة !!

إن المجنون لم يزل عن منهج الحياة بجنونه ، ولكنه يتبع سنة
هذه الحياة على طريقة خاصة غير ما ألفه الناس أو تواضعوا عليه ،
ليرى في كل شيء أثر جنونه ، فهو حي مع الأحياء بيد أنه يشبه أن

يكون تفسير للحياة الغامضة التي تلوذ بكل جانب مهجور على وجه

الأرض، وبكل رأس تحتسبه جانبا مهجورا ، لأن الناس لا يفهمونها
ولا يتسعون لفهمها .
وهذا الشيخ علي رجل غامض متلفف بحقيقته العجيبة.......


وحي الروح


التراب المتكلم أمام التراب الصامت


تر ى أيما هو الصدق في حقيقته : ما نفرح به أو ما نحزن له . .أما إن في الحياة ملحا وإن في الحياة حلوآ وكلاهما نقيض ، فليس منهما شيء إلا هو رد للآخر أو اعتراض فيه أو خلاف عليه ، وتجدها اثنين وهما واحد في اثنين .

فأنت تؤتى الحلو تسيغه وتستعذبه فإذا هو بك في الملح تمجه وتغص به ، ثم لا تضع من أمر على أحسنه في صورة إلا رأيته على أقبحه في صورة أخرى .

والإنسان من الهم في عمر دهر لا يموت ، ومن السرور في عمر لحظة تشب وتهرم وتموت في ساعات والحي كأنه من هذه الدنيا فرخ في بيضة ملئت له و ختمت عليه فلن يزيد فيما غير خالقها ،و خالقها لن يزيد فيها !


ومن الصحة والمرض مما سر وساء : وما شد وهد ، ومن العقل العجيب الذي يحكم من الإنسان تركيبا عصبيا مجنونا ثائرا قد استبانت فيه الحيوانية _ من كل ذلك وما إليه مزيج هو بقدرة الله أشبه ، ولكنه فوق ضعفنا وحيلتنا ، فلن نرى منه في الكون إلا شكل الحيرة ومعناها والعذاب بها ، والفوح بالغفلة عنها والسرور بإنكارها أو المكابرة فيها ؟ والحيرة لا نفي ولا إثبات ؛ ومتى يطلب الإنسان الحقيقة وهو جزء منها لا يقف إلا على جزء منها ، فالمشكلة متحركة إلى كل جهة حق لا تذهب عنها لتنساها إلا وأنت ذاهب بها لكيلا تنساها

أما إن في الحياة ملحا وإن في الحياة حلوا ، وكلاها نقيض ، فالصريح أن يخلق منهما المستحيل وهو الملح الحلو . . . فإن لم يمكن ، فالممكن من الحقيقة للإنسان أن يستحيل الإنسان فيموت !
***
ترى أيهما الذي هو الكذب في نفسه : الموت أم الحياة ، إنه الجنين فالوليد ثم الميت لا محالة بعد أن يسرع الأجل أو يتراخى ، لا يتقار جنين في ذاته الدموية من الأحشاء ، ولا يثبت وليد في ذاته من المهد ،ولا يترك شاب في ذاته العظمية للحياة ء ولا يقف شيخ في ذاته الجلدية دون قبر!!.



من عقدة الثمر إلى لبتها إلى شحمتها إلى قشرتها ، هى ناموس القضاء والقدر ، في باب الحتم المقضي من كتاب السماء وعلى ناموس النشوء والارتقاء في باب الهذيان العلمي من كتاب الأرض . . .


وكما تكون تحت الوسائد كنوز أحلام الليل ، تكون في هذه الحياة أحلام الكنوز الخالدة التي يملأ الأرض كلها ضوء لؤلؤة واحدة منها .

***********
تطلع الشمس على الناس كأنها فص خاتم السماء تشير به أن تعالوا إلى الكنز في ضوء هذه الياقوتة الصغيرة .
**********
الحواس زائغة متراجعة مقلوبة ، وهذا هو نظامها ونسقها واستواؤها . فليس من أحد في هذا الكون الموجود إلا وهو ناظر إلى كون غير موجود .

السماء سماوات ، والأرض أرضون ، والأكوان عداد العقول ،وكل أمل في رأس مخلوق يزيد عنده الدنيا أو ينقصها ويغير من الخليقة ويبدل ؛ وكل إنسان في كل يوم هو إنسان يومه ذلك ، فكأن كل حي من كل حي غلطة . وآمالنا كأرقام الساعة : هي اثنا عشر رقما محدودة ، ولكنها في كل دقيقة هي اثنا عشر رقما فلن تنتهي .

والحياة خداع وغرور ، وزيغ وخطأ ، وعمل وعبث ء ولهو ولعب ، ومهزلة وسخرية ، والناس كالأرقام تخط على هذا التراب ثم يقال للعاصفة : اجمعي واطرحي وحلى المسألة . .

وأين كل ما صبته الشمس والكواكب من نيرانها، وما أخرجته فصول الأرض من وشيها وألوانها، وما هتفت به الطير من أغاريدها وألحانها ، وما تلاطمت به الدنيا من أمواج إنسانها ؟ وأين ما صح وما فسد ، وما صدق أو كذب ، وما ضر أو نفع ، وما علا أو نزل؟ في كل لحظة تمتلئ هذه الدنيا لتفرغ ، ثم تفرغ لتمتلئ، وماضيها ومستقبلها مطرقتان يمر بينهما كل موجود لتحطيمه .

وكأن الحياة ليست أكثر من تجربة الحياة زمنا يقصر أو يطول ، وما العجيب أن لا تفلح التجربة في أحد، ولكن العجيب أن لا تنقطعو هي لا تفلح .

والعالم كالبحر من السراب يموج به أديم الأرض بما رحبت ثم لا تملأ أمواجه ملعقة ، والحقيقة في كل شيء لا تزال تفر من تحليل إلى تركيب ومن تركيب إلى تحليل ؟ لأن شعور أهل الزمن بالزمن لا يحتمل المعنى الخالد.

ولعل سبب الموت أنك لا تجد إنسانا يعيش في حقيقته الإنسانية ؟ فلا هذه الحقيقة يسرت له كاملة ولا هو خلق لها كاملا ؟ وفي الإنسان كالطبيعة أرض وسماء . . فترابه لا يتغشاه مما فوقه غير الظل وقد خلق مقسوما فشقة منه في أرضه وشقة في سمائه ، فإذا حضره الموت ضرب الضربة بين هاتين فأخذت السماءُ السماءَ وجذبت الأرضُ الأرض .

هناك البرق الإلهي ملء الكون يلتمع ويخطف ، ولكنه من الإنسان كشعلة تتوهج في غرفه أرضها وسقفها وحيطانها من المرايا وليس في هذه الغرفة إلا هذا الضوء ورجل أعمى .

فلا سخرية ولا ضلالة ولا عبث ولا خداع إلا في أسلوبنا الإنساني المبني على حواسنا، كما تنود السفينة خفت كل موج البحر وما عبث البحر بها ولكن يعبث بها وزنها .


يريد الله أن نخلق لأنفسنا معنى من السمع والبصر ليس في أذن ولا عين ، وأن نزيد في مجموعة أعصابنا الواهنة عصبا عقليا يراه ويسعه ويدركه ويؤمن به ، فالإيمان قوة خبارة لا تجمع إلا من رد كل أطراف النفس المنتشرة إلى عقدتها الروحية ، وحبسها أكثر حواثها في حس واحد عنيف مؤلم ، ووضع المناعم المضنون بها في ذلك المعنى المفتوح المتهدم الذي لا يمسك شيئا وهو الزهد ، وحصر الآلام الطاحنة في ذلك العنى المطبق المتحجر الذي لا يفلت شيئا وهو الصبر ، ورد الأخلاق كلها إلى ذلك العنصر اذي يضيف معنى الحديد إلى معنى اللحم والدم وهو الإرادة ؛ وبعد ذلك كله ومنع كل شيء إنساني في ضوء من أضواء الكلمة المتألة المسماة بالفضيلة .

يا إلهي! ما أقواك وما أضعفنا ! كأنك تقذفنا من السماء فنجهد من بعد أن نرتفع إليها ما بأنفسنا على أجنحة الأعمال التي تطير بجاذبية مما تحب!


لما خلقت الإنسان عبدا على قدرك صار إلها على قدره ، فيجب في الحق أن تعذبه السماء إذا وغل عليها طفيليا بلا عمل ولا ثمن .النخلة السحوق نواة مخزونة في بلحة ، والعالم !لعظيم تركيب مخبوء في إنسان ، فالإنسان لنكده الطبيعي محيط بنواميس قاهرة تحركه،


وتحيط به نواميس أخرى قاهرة تتحرك معه ،فمن ثم لا يبرح يصطدم ، ولن يكون متجها أبدا إلا إلى التحطيم ، فإذا هو تورع وتحرج واستعلى أمات من شهواته فأبطل مثل ذلك فيما حوله فكان خروجه من بعض الدنيا هو حقيقة وجوده في بعض الدنيا ، ومثل هذا حقيق أن يقول : إني احكم العالم الداخلي .


*******

فتحنا القبر وضرحنا للميت العزيز .لم أقل إنه مات ، بل قلت إن موته قد مات !كأن الحي على هذه الأرض هو القبر الإنساني ،لا الجسم الإنساني ، فإنك لتجد قيورا من ألف سنة ، ثم لا تجد إنسانا في بعض عمرها ، ، أما ترى هموم الدنيا وأحزانها كيف لا يخلو منها أحد ، وكيف تخرج من النعيم كما تخرج من البؤس ؟ ما احسبها إلا صورا من ظلمة القبر يجيء القبر فيها حينا بعد حين إلى ميته الذي لم يمت !!

من يهرب من شيء تركه وراءه ، إلا القبر فما يهرب أحد منه إلا وجده أمامه ، فهو أبدا ينتظر غير متململ ، وانت ابدا متقدم غليه غير متراجع ، وليس في السماء عنوان لما لا يتغير غلا اسم الله . وليس في الأرض عنوان لما لا يتغير غلا اسم القبر ......


وأينما يذهب الإنسان تلقته اسئلة كثيرة .....ما اسمك ؟ ما صناعتك ؟ كيف حالك ؟ ماذا تملك ؟ ما مذهبك ؟ ما دينك ؟ ما رأيك ؟ ثم يبطل هذا كله عند القبر كما تبطل اللغات البشرية كلها في فم الأخرس ...وهناك يتحرك اللسان الأزلي بسؤال واحد للإنسان : مـــا أعمـــــــــالك ؟؟

إيها المتقاتلون على الدنيا والإنسان على حين !إن تنازع البقاء مذهب فلسفي بقري لا إنساني ....فإن الثيران هي التي تجد من القوة أن تنطح في المجزرة وتنسى لم هي في المجزرة .!!

فتحنا القبر وأنزلنا الميت العزيز الذي شفي من مرض الحياة ، ووقفت هناك ، بل وقف التراب المتكلم يعقل عن التراب الصامت ويعرف منه أن العمر على ما يمتد محدود بلحظة ، وأن القوة على ما تبلغ محدودة بخمود ، وأن الغايات على ما تتسع محدودة بانقطاع ، وحتى القارات الخمس محدودة بقبـــــــــــــــــــــر ...

يا عجبا ! القبور مأهولة بملء الدنيا وليس فيها أحد ! أية ذرة من التراب هي التي كانت نعمة ورغدآ ، وأيتها كانت بؤسا وشقاء ، وأيتها التي كانت حبا و رحمة ، و أيتما كانت يغضا وموجدة؟

سألت القبر : أين المال والمتاع، وأين الجمال والسحر وأين الصحة والقوة ، وأين المرض والضعف ؟ واين القدرة والجبروت ؟وأين الخنوع والذلة ؟ قال : كل هذه صور فكرية لا تجيء، لأنها لا ت}خذ من هنا ، فلو انهم أخذوا هدوء القبر لدنياهم ، وسلامه لنزاعهم ، وسكونه لتعبهم ، لسخروا الموت فيما سخروه من نواميس الكون !

إن هؤلاء الأحياء يحملون في ذواتهم معانيهم الميتة وكان يجب أن تدفن وتطهر أنفسهم منها ، فمعنى ما في الإنسانية من شر هو معنى ما في الناس من تعفن الطباع والأخلاق ،.

يكذب احدهم على أخيه فيعطيه جيفة حقيقة ميته ، ويكيد بعضهم للبعض فيتعاطون جيف الحوادث المسمومة ، ويمكر الخائن فإذا جيفة عمل صالح قد مات ، فكل مضغة تبتلعها من حق أخيك الحي هي كمضغة تفتلذها من حقه وهو ميت :لا تعطيك إلا جيفة ثم انت من بعد لست بها إنسانا ولكنك وحش ، بل وحش دنيء ليست له فضيلة الوحشية التي من قوة تأبى أن تمس لحوم الموتى !!

واها لك أيه القبر لا تزال تقول لكل إنسان تعال ، ولا تبرح كل الطرق تفضي إليك ، فلا يقطع باحد دونك ، ولا يرجع من طريق راجع ، وعندك وحدك المساواة فما أنزلوا فيك قط ملك عظامه من ذهب ، ولا بطلا عضلاته من حديد ، ولا أميرا جلده من ديباج ، ولا وزيرا وجهه من حجر ، ولا غنيا جوفه خزانة ، ولا فقيرا علقت في أحشائه مخلاة ....

ألا ويحك أيها القبر !! لم لا تأتي إلا في الآخر ، ولم لا تضع حدود معانيك بين الأحياء بعضهم من بعض حتى يقوم بين الضعف والقوة حد المساواة وبين النفوس والشهوات حد التقوى ، وبين الحرام والحلال حد الله !!


يا شقاء أهل الأرض ، أما إنهم لو وضعوا فيها موضعا من العناية لما كان الإبهام في السريرة ، ولا كانت الغفلة في النفس ، ولا كان النسيان في الطبع ولولا هذه الثلاث في الثلاثة لما كان المجهول البشري كله في شيء واحد وهو القبر ...

إن أحزاننا وهمومنا ودموعنا هي كل المحاولة الإنسانية العاجزة التي نحاول بها أن نكون في ساعة من الساعات مع أمواتنا الأعزاء ! هم يأخذوننا إليهم اختلاجا وانتزاعا في هذه الأحزان والهموم والدموع ، فكأنها أمكنة تخلق من الأثير الروحي وتتجسم من معانيها كي تصلح أن يلتقي فيها روح الحي وهو حي بروح الميت وهو ميت ، كما بتلاقى روحا الحبيبين في قبلتهما أول مرة إذ يخلق قلباهما لهذا اللقاء جوا أثيريا من الزفرات واللوعات بين الشفاه المتلامسة.

أو لعل الموت كما يجرد الحي من روحه ينتزع من اهله شهوات أرواحهم فيميتهم مدة من الزمن في القلب وفي العين وفي الفكر ، وبذلك يرد جميع المحزونين إلى المساواة ، فأهل كل ميت وإن علا كاهل كل ميت وإن نزل ، وتموت بالموت الفروق الإنسانية في المال والجاه والقوة والجمال، حتى لا يبقى إلا الدمعو واللوعة والزفرة والحسرة ، وهذه هي أملاك الإنسانية الحزينة .

يا هم من يحس ويعرف ويرى كيف يموت العزيز عليه وكيف يتحول من يحبه إلى ذكرى ... إن ما يعمل في القبر ، يعمل قريب منه في القلب ..وما يعرف الحي أن الذاكرة فيه هي حاسة اللانهاية إلا حين يموت له الميت العزيز ، فلا يكون في الدنيا وهو في ذاكرته بمعانيه وصورته لا يبرحها ..

وليس ينزل الحي من أمواته في القبر إلا من يقول له إنني منتظرك على ميعاد !أما لو عقلها الأحياء لعلموا أن الموت وحده ناموس ارتقاء الروح ما بقيت في الدنيا ، ولكن ضجيج الشهوات –على أنه لا يعلو رنة كاس أو يغطي همسة دينار ولا يخفي ضحكة امرأة- يطمس على الكلمة الأزلية التي فيها كل قوة الصدق وكل صراحة الحقيقة ، فإذا هي خافتة لا تكاد تثبت ، غامضة لا تكاد تبين ..

أذلك سحر الحياة فينا ، أم سوء استعدادنا لها ، ام شراهة الجسم من لذة الحياة لابتلاع كل ما في الكون منها أم حماقة الكأس التي تريد أن تغترف البحر لتكون له شاطئين من الزجاج ، أم بلاهة الإنسان الذي يريد أن يطوي فيه معنى الخالق ليكون إله نفسه ..

ويحه من غريق أحمق يرى الشاطئ على بعد منه فيتمكث في اللجة مرتقبا أن يسبح الشاطئ إليه ...ويثبت الشاطئ ويترك الأحمق تذوب ملحة روحه في الماء .....

اسبح ويحك وانج فإن روح الأرض في ذراعيك ، وكل ضربة منها ثمن ذرة من هذا الشاطئ


كذلك ساحل الخلد ، يريد من الانسان الذي هو انسان أن يبلغ إليه مجاهذا لا مستريحا عاملا لا وادعا يلهث تعبا لا ضحكا ويشرَق بأنفاسه لا بكاسه وينضح من عرق جهاده لا من عطر لذاته ..


إن روح النعيم الأرضي في ذراعي الغريق الذي يجاهد لينجو ، وروح النعيم الأزلي الحي الذي يجاهد ليفوز.




الفقر والفقير


قال الشيخ علي : يا بني إن في تاريخ الحياة سؤالا لم تزل تلقيه اطماع الناس في كل عصر من عصورها وما إن تصيب له جوابا مقنعا ، لأن الطمع ليست له طبيعة محدودة ويريد بطبيعته جوابا غير محدود .

هذا السؤال واحد من ثلاثة هي حقائق الإنسانية الضالة عن الإنسان نفسه في غيب الله ..

يقول الإنسان : ما هي الروح التي تعطي الحياة ؟ وتقول آماله : ما هو الموت الذي يستلب هذه الحياة ، وتقول أطماعه : ما هو الفقر الذي يستلب هذه الحياة وتقول أطماعه ماهو الفقر الذي يجمع على الروح بين الموت والحياة ؟

كذلك يتساءل : ما هو الفقر ؟ على أنه غير الفقر ذلك السؤال الذي تجد في كل نفس إنسانية معنى من جوابه ، ولا غير الفقر ذلك القبر المعنوي الذي لم يخلق الله نفسا من النفوس إلا ولها ميت من الأمل في ترابه ، وإذا كان في لغات الأفواه لفظ خالد فإنما هو الفقر ..وإذا كان في هواجس القلوب معنى خالد فإنما هو خوف الفقر ، وإن كان للدموع الإنسانية مصب واحد تلتقي إليه من جهات الأرض فإنما هو بين شاطئين إن جاز أن يكون أحدهما الحب فإن من المحق أن يكون احدهما القبر ..

إن هذه الأرض لتصبح في كل يوم ولا يمكن أن يقال بحق إن فيها عملا إنسانيا عاما غير طلب المال ، فأحر أن تمسي في كل يوم ولا يمكن أن يقال إن فيها معنى إنسانيا غير راجع إلى الفقر .

ويقولون إنها تدور حول قرص الشمس ، وهو قول فلكي أو سماوي يصح أطلاقه على الأرض كهيئتها يوم خلقها الله ، أو على الأقل كما خلقها الله ... أما الحقيقة الأرضية فإنها تدور حول قرصين :قرص اللهب وقرص الذهب ؛ ويالله وللفقير !!إنه دائما في الجهة المظلمة ..

الفقر متى ألقيته سؤالا عاد إليك بجواب نفسه ، لأنه فصل من كل عمل ، كالشتاء فصل من كل سنة ، وليس في الناس جميعا من يصدق إذا ادعى أنه لا يعرف الفقر ..غير اثنين لا خير فيهما : غني جن من فرط الغنى ، وفقير جن من فرط الفقر .فالأول لا يعرف هذا الفقر في جنونه لأنه جن بغيره ، والثاني لا يعرفه لأنه جن به .

ولكن ..من هو الفقير ؟


من هو الكائن الضعيف الذي أحاط به الجهل حتى إنه ليجهل نفسه ، وأينما يول وجهه أشاح عنه الناس بوجوههم فلووا رؤوسهم ، وصعروا خدودهم وأمالوا أعناقهم حتى كأن كل رأس في التواء عنقه من الأنفة والاستكبار يمثل علامة استفهام أقامتها الحياة في وجه هذا المسكين أو يقيم علامة إنكــــــــــــــار ..


من هو هذا الحي الذي تنكرت له الدنيا حتى أصبح فيها كأنه نوع شاذ من الخلق يقوى على كل شيء حتى الطبيعة ، لكنه يضعف عن شيء واحد وهو الغني ، فقضت عليه شرلئع الاجتماع أن ينفق من حياته أضعاف ما يكسب لحياته ، فهو إذا كدح في العمل طول يومه ، فقوت هذا اليوم عليه كثير ، وإذا لم يجد ما يطعمه الجوع فأطعمه من جسمه فذلك عليه يسير ، وإذا سال في الشمس وجمد في البرد فهو عند الأغنياء ذو طبيعتين أنه ليس مثلهم ولأأنه فقير ...؟

من هو الذي يجف ريق الأرض لو جف عرقه من ترك العمل ، ويخيب أمله مع ذلك في كل غني وهو نفسه للأغنياء أكبر أسباب الأمل ، يدلون عليه بالغنى ولولا أن في فضتهم عنصرا من دمعه القيم لما وجدوا لها قيمة ، ولو لم يكن في ذهبهم روح من دمه الكريم لما عد أفضل المعادن الكريمة ؟

قال الشيخ على : هو المدرج في أكفان النسيان . الذي ليس له في الناس إلا ((منكِر ونكير ))ذلك هو البائس في بني الإنسان الذي يكثر عليه القليل ويقل منه الكثير ، ذلك هو المتناقض في نفسه حتى لا يصغر أن يقال فيه صغير ولا يكبر أن يقال فيه كبير ؛ ذلك هو الذي يشبه أن يكون عمله حركة فلكية في الأرض لآلة الغني –ذلك كله هو الفقير .!!

وبالله !! ما تحملا الأرض إنسانا واحدا لا يخشى عادية الفقر ، ولا يتعوذ بالله منه ولا يرى يومه في هذه الأرض كأنه الآخرة قبل الآخرة ، يقوم الفقير بين حسابها وعذابها ، ويستعيذ برحيمها من جحيمها ، ويفر من أمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه ويضع في ميزانها المنصوب آماله ، فلا يزن إلا أعماله ويستصرخ كل من يمر به فلا يسمع إلا قائلا يقول : نفسي نفسي ....فينظر فإذا هو في الناس ضائع حتى لا يعرف له محلا ، ومنفرد حتى لا يجد بينهم لشحصه ظلا ، وإذا هو بالسماء وقد التهبت بأقدارها حتى كأنها في عينه جمرة من البرق الخاطف ، وإذا الأرض قد ثارت بأهلها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف فإن أقبل على الناس فروا من أماكنهم كأنه زلزلة تمشي ، وإن استصرخهم نفروا كأن في صوته فزعَ الرعد القاصف ..

يالله !!ما تحملُ الأرض إلا من يعرف هذا كله من الفقر بل أشد منه، ثم يبقى الفقير –ويالهف أرضي وسمائي عليه !كأنه مسألة في حساب الناس لا هم لهم فيها إلا كثرة الطرح والضرب ثم الغلط في النتيجة ... وتنحاز طبائع الناس كلها في جهة والفقر وحده في جهة حتى لا يرى هذا المسكين في العالم على سعته غير اثنين : هو واستبداد الغني .

ترى أين تكون شرائع الآداب إذن ؟ هل هي في ضمائرنا ، أم هي في كتبها ، أم هي في تاريخها الميت القديم ؛ أم صار الحق إنسانيا بحتا : لي عليك ولك علي وليس لله علينا شيء ، وفصلنا أنفسنا من السماء وقطعنا الروابط التي كانت تربطنا بها ونبذناها فرثت ثم رثت فإذا هي على أجسام الفقراء تلك الأسمال البالية .


إن هذه الحقوق متة أصبحت إنسانية محضة ليس فيها لله شيء فكل درهم يوضع في يد الإنسان يجعل فيها عقلا يحكم على عقله ، وكل رغيف يستقر في معدته يخلق فيها ضميرا يستبد بضميره فينفصل الإنسان من الله ويبتعد عنه بمقدار ما يقرب من الغني ...وحسبه يومئذ في اعتباره بعيدا جدا عن الله ورحمته أن يقال إن بينه وبين ربه مسافة ألف دينار . ذلك أن عدل الله يقضي أن يكون للفقير قسمة من الثورة ، وإنما الجزء المهم من هذه الثورة هو الإحساس في ضمائر الأغنياء ..

والأدلة على هذه القضية –قضية حقوق الإنسانية – كثيرة تفوت الحصر لأن كل صاحب ربا قد جمع مال السحت من استئكال الناس إنما هو في نفسه دليل عليها ؛ ولعمري إنه ليس أحد أخيب رجاء ولا أحق بأن يخيب ، ممن يسأل المتهالك على الربا –الذي يستنبت دراهمه بين الأحزان والدموع –إحسانا لوجه الله ، فإن هذا الذي لا يعرف الله فيما يأخذ كيف يعرف الله فيما يعطي .؟؟

قال الشيخ علي : ولماذا نرى يابني جفاة الأغنياء يخشون من الفقر على أنفسهم وأهليهم فقط ولا يخشونه على الفقير ؟


أظنهم يقولون إن في الأرض شيئين بمعنى واحد : قبور الأموات في بطنها ،وأكواخ الفقراء علىظهرها ، وليس من فرق بينهما في النسيان لأنه يشملهما جميعا ، وإنما الفرق بينهما في حاليهما المتناقضين ، هذا قبر ميت وهذا قبر حي ... نعم صدقوا وبروا وقالوا حقا ، أليسوا جفاة القلوب غلاظ الأكباد ؟وإلا فما الفرق بين موت منسي كموت الغريب وحياة منسية كحياة الفقير ، إلا على الفرق الذي لا يبالي به هؤلاء الأغنياء حين يكون لأحدهم ظاهر حي وضمير ميت ؟


وأحسب أولئك الطغاة يقولون ، إننا نرى الفقير لا يملك من الأرض شيئا محدودا بل هو يملك أرض الله كلها بحدودها الأربعة . . . ففقر فلان التاجر الغني مثلا ليس هو في الحقيقة أن لا يصيب القوت ولا يجد المأوى كغيره من الفقراء ، إنما هو المتاجرة في الآمال ، بعد الأموال ، وقبض الربح ، واستقبال الأبواب والجدران ، بعد استقبال الأصحاب والجيران ، وهلم من هذا الباب الذي يفتح من جهة الغني على سائر الجهات الثلاث للحياة البائسة :وهي الفقر والمذلة والألم ، وإنما هو رجل ككل رجال المال متى خرج المال من يد أحدهم خرج اسمه من أفواه الناس وخرج حبه من قلوبهم ، ويكون من أهل السعادة لو خرج هو أيضا من الدنيا ...


قتل الإنسان ما أكفره !!لو أن غنيا فقد جبلا من الذهب وأصاب رغيفا يتبلغ به لكان ذلك أيسر في مذهب الإنسانيه من أن يذهب البائس المعدم فيتكفف الأبواب ويستكف الناس ثم لا يتخلص منهم رغيفا يمسك به الرمق على نفسه ويقيم منه بابا حاجزا يمنع الجوع أن يُدخل إليه الموت وأن يُخرج منه الروح ، ولكن مصيبة الإنسانية في اهلها أن الله لم يخلق إلا صنفا واحدا من الناس ، على أن كل إنسان يظن أنه ذلك الصنف الواحد ...فالغني إذا تصور الفقر وهو لايزال في غناه لا يتوهم إلا اختلال نظام الأقدار واضطراب حركتي الليل والنهار ، بعد أن يهوي كوكب سعده الذي يُسَكُّ من كل ذرة في أشعته دينار ...وهو لايرى بهذا الفقر إلا أن نقمة هابطة من السماء ولعنة صاعدة من الأرض قد التفتا عند رأسه الشامخ في جو كبريائه فاصطدمتا به فإذا هو مكب لليدين وللفم عند أقدام الناس وإذا هو فقيـــر!!


هذا هو الفقر في أوهامهم ؛ ولكن لا تنس أن فقرهم فقط . فقر المال المترابط في مكانه أو الذاهب في حلوق الأرض وبين أضلاعها ، أما سائر الناس فهم عند هؤلاء أهل باطل ودعوى ، يُزنُّون بكل ريبة ، ويقرفون بكل تهمة ، إذ ينتحلون الفقر ويدعونه ليعادوا نعمة الغني بالحسد ، فالجوع فقر ، والمرض فقر ، والتعب فقر والضجر فقر ، واشتهاء ما ليس لهم فقر ، وبالجملة فكونهم ليسوا كالأغنياء هو الفقر ..


فإذا كان الفقر كل شيء عند هؤلاء الحمقى فما هو الشيء الذي يسمى الفقر ؟؟


من أجل ذلك يا بني ترى الأغنياء يخشون من الفقر على أنفسهم وهم نفسهم لا يخشون منه على الفقير، لأن هذا الفقير في رأيهم قد أصبح شخصا آخر لا صلة لهم به ولا عهد ، فهو يكذب على الحوادث والحوادث تكذب عليه ، وجزاء سيئة سيئة مثلها ، فإذا انخدعوا له بمقدار ما يتعجبون من سخافته ، وإذا أعطوه كان العطاء سخيفا بقدر ما ينخدعون ، ولا ينظرون لأثر الله عليه ولكن لأثره على نفسه ؛ إذ الحقوق عندهم حقوق إنسانية فهيهات يختلج في نفس أحدهم أن لو شاء الله لوضعه في ثياب هذا الفقير ولوضع الفقير في ثيابه ..



أترد مثل هذا الغني الجلف المتسكع إلى الدين ؟ أتبصره بالإنسانية ؟ فمن هو إذن ويلك إن لم يكن من صميم هذه الإنسانية وعين أهلها بل إنسان هذه العين ! أما الحق .. فاذكر بربك أمواله تعلم أن الحق في يده ، هكذا .هكذا يعطي المالً أهله حتى فضائل غيرهم ، ويسلب الفقر أهله حتى محاسن أنفسهم ، وهكذا لا تجد المال أبدا إلا نعمة ناقصة ولن تتم هذه النعمة إلا إذا رزق الإنسان مع الغنى أخلاقا تكفيه شر الغنى ، ومن أجل هذا كان من الأمور الطبيعية أن تجد العاقل في إنفاق المال أشد ارتباكا منه في جمع المال .


قال الشيخ علي : ولابد من صلة معنوية بين جميع الناس على ما يكون بين الإنسان والإنسان من التباين والإختلاف في كل شيء ، حتى بين الأخوين تلدهما الأم الواحدة وهما مهما اتفقا ف يالحياة ومظاهرها لابد مفترقان افتراق الثديين اللذين ارتضعا منهما الحياة ، فما عسى أن تكون هذه الصلة العامة بين الناس ... تقول الشرائع إن الصلة التي تجمع الناس بعضهم ببعض هي العدل ، وتقول العلوم إنها العقل ، وتقول الآداب إنها شيء من العدل والعقل يكون الإنسانية في الضمير ، وتقول الحياة أنها سبب الإنسانية وهو الرحمة ثم يرعد صوت إلهي يقصف من جهة السماء التي هي مصدر العقل والعدل والإنسانية والرحمة فيصيح بكل ما في هذه الأشياء من القوة ويقول :كلا ! بل هو سبب الرحمة ومظهر الإنسانية وكمال العقل وفضيلة العدل وهو الفقر ...!!


من الذي ولد وفي يده قطعة من الذهب ومن الذي مات وفي يده تحويل على الآخرة ؟ ولقد وسعت الخرافات كل شيء إلا هذا فما لنا نتحد في البدء والنهاية ثم نختلف في الوسط ؟ ذلك لأن بدءنا من طريق الله وختامنا لطريق الله ولكن الوسط مدرجة بيوتنا ومصانعنا وحوانيتنا وبكلمة واحدة هو طريق بعضنا إلى بعض ، وحينما يلتقي الإنسان بالإنسان فإما أن تلتقي المنفعة بالمنفعة أو المنفعة بالمضرة ، فلابد من انتفاع أحدهما أو كليهما ، وثم يقول البخلاء : ما لذي تنتفع به من رحمة الفقير ؟ وماله يريد ان يتحيفنا كأنه روح الجدب ، وأن يتعرقنا كأنه روح المرض ؟ وماله يريدنا على أن نسيء من أجله المس بأموالنا كأنه روح الإفلاس ؟ أولا يكفيه أن لا نرزؤه شيئا وأننا نفضل عليه فنعتد الدرهم الذي الذي نمسكه عنه كأنه درهم أخذناه منه ، وبذلك لا يضرنا ولا ننفعه بشيء ومن الجهة الأخرى لهذا القياس يكون قد نفعنا ونفعناه بلا شيء .....؟


قاتل الله البخيل وقبحه فما هو إلا حرص على المنفعة يشبه عبادة الوثنيين لكل ما توهموا فيه المنفعة ، وإن كان للحواس نوع من الكفر بالله فكفر اليد في إمساكها ، وإن الله لرحيم إذ لم يعاقب البخلاء بما يعاقبون به الناس ، فليس بين كل بخيل وبين الهلاك إلا أن ينقل الله الإمساك من يده إلى جوفه !...على أن البخل إذا لم يكن بقية من الوثنية القديمة بعينها فهو على كل حال نقص من الإيمان لأن الله وعد المحسنين والمتصدقين ثواب ما أنفقوا مكافأة على فضيلة الإحسان ، التي هي في الحقيقة فضيلة الإحساس ، ثم أن يخلف عليهم ما أنفقوه أضعافا مضاعفة ؛ إذ المحسن لا يجود بدراهمه على الله ولكن يقرضه إياها قرضا حسنا متى وضعها في يد الإنسانية الفقيرة ، فمن أمسك عن الإحسان بخلا فإنما يشك في وعد الله ، وإلا ففي قدرة الله ؛ وإلا ففي الله نفسه ، فأكبر الكفر عند أكبر البخل وأصغره عند أصغره ، ويوم يخرج الإيمان من قلوب الأغنياء تخرج أرواح الفقراء من أجسامهم فيموتون بالجوع و العري والمرض ، وغيرها من أسباب الموت وكلها مظاهر متعددة لسبب واحد هو في الحقيقة كفر الأغنياء كفرا في الضمير لا كفرا في الإنسان .


ومن هنا يا بني لا تجد الفقير في أي عصر من العصور إلا جهة من الخلل في النظام الاجتماعي الإنساني كما أن البخل جهة من الخلل في نظام النفس الإنسانية ، والفراغ الذي يجده الفقير في بيته إنما هو موضع النعمة الضرورية التي بخل بها الغني وهو في الحقيقة موضع التفكك أو الكسر في الآلة التي تديرها شريعة الاجتماع .


الإنسان إنما خلق اجتماعيا وهو بشخصه لا قيمة له ولا منفعة إلا عندما يكون شخصه جزءا في مجموع ، لأن اليد الواحدة في الجسم ولو كانت يد ملك وكان فيها زمام العالم فإنها لا يفارقها عيب أختها المقطوعة ..

وكل خلل في النظام الاجتماعي فإنما مرده إلى طغيان بعض الأفراد وجنوحهم إلى أن تكون شخصية الواحد منهم من الكبر والعظمة بحيث توازن المجموع كله أو أكثر المجموع : إن هذه الموازنة الفردية متى اتفقت كانت إخلالا بالموازنة الاجتماعية لأنها تجعل كل حركة من هذا الفرد زلزلة في المجموع ، كالثقل في إحدى كفتي الميزان إن خف سقطت الكفة الأخرى وإن ثل شالت ، وهو السقوط إلى فوق .


والموازنة الاجتماعية لا تتهيأ إلا إذا تطبعت قوى المجموع فاندفقت في تيار واحد إلى جهة معينة ، ولكن الموازنة الفردية لا تستقيم إلا إذا جاءت من عكس هذه الجهة فتصد قوة المجموع وتبقى دائما ذات قوة على صدها من الغلبة ، فإن ضعف خصمه يعطيه منها أكثر مما تعطيه قوة نفسه ، ولا يكون ضعف المجموع إلا من حصر الشخص العظيم قوة عقله ونفسه وضميره في هذا السبيل الفردي لتكون منه الشخصية الهائلة التي تشبه ما كان في تاريخ الوثنية من شخصيات وآلهة وأنصاف آلهة .


وقد اضطر الناس لذلك من عهد اجتماعهم في نظام أو شريعة إلى ابتداع الوسائل للتوفيق بين قوة الفرد وقوة المجموع ، حتى لا يستشري الداء في الموازنة الاجتماعية فيفسدها ويوقع الخلل في نظامها ، ولكيلا تكون حيرات المحموع كلها في معدة واحدة، وحتى لا يبقى الناس أرقاما يعدهم الغني المستبد كمن يعد دراهمه لأنهم ثروته الحية !

غير أن هذه الوسائل على اختلافها لم تكن ولم تزل إلى عهدنا – عهد الاشتراكية العلمية – إلا ثورات هي مهما كانت فإنها أشبه شيء بجموح الحيوان إذ يحمي أنفه فيجمح ثم يسترسل في جماحه ثم يشتد حتى يعتز صاحبه على راسه ويملك نفسه منه ، ثم ماذا ؟ ثم يسكن مكرها بعد أن جمح راضيا ، فإن لم يسكنه الألم من صاحبه أسكنه التعب من نفسه ، لأن التخلص من شيء في فطرة الإنسان وانتزاعه من مغرزه في نفسه لا يكون بالتخلص من إنسان بعينه .


ومن هذا يا بني ترى أن الإنسان لا يعيش فردا ولكنه حين يموت يموت فردا ، فإذا رأيت فقيرا منبوذا من الاجتماع منفردا عنه لا يساهمه في عمله أو عيشه ، بل كأنه يعيش في بقعة مجهولة من الحياة فاعلم أن إهمال ذلك الفقير هو نوع من القتل الاجتماعي .


ههنا قاتل ومقتول : لم يأخذ القاتل بحق من الحقوق ولا ثأر لنفسه ولا قتل بيده ، أما المقتول فإنه لم يقتل في إثم اجترحه ولا هو جنى على نفسه الضعف الذي أرهقه وبلغ منه حتى جعل إهمال القوي إياه كأنه حكم عليه بالقتل ، فترى على من تكون التبعة ، وه يالتحقيق ليست على القوي لقوته ولا على الضعيف لضعفه ؟


هناك اثنان : رجل في الماء وآخر على الشاطئ ؛ فأما الذي في الماء فليس بينه وبين الموت غرقا إلا نفس واحد مبتل ينسل بالماء من حلقه إلى رئتيه وهو يرى بعينه الموت دائبا في حفر قبره المائي ، فليس الموج الذي يتكفأ به ويتناثر من حوليه إلا ما تثيره يد جبار الموت من غبار ذلك القبر وتحثوه في وجهه بنزق وغضب ، بعيد عن الأحياء حتى بعد عن أن يكون له قبر بينهم ولا صلة بينه وبين الحياة الأرضية إلا نظرات ذلك الرجل القوي الذي يتراءى في عين الغريق كأنه صخرة راسية على الشاطئ لها قوة وليس لها إرادة ، ولكن هذا الذي يشعر بصلابة الأرض تحت قدميه ويحس القوة من يده وعضلاته ، يشعر أيضا بمعنى من الصلابة في قلبه وقد جاء إلى الشاطئ ليتنفس هذه النسمات التي يتنهد بها صدر السماء فتكون أرواحا للأمواج تبعث فيها حركة المياه . ما له ولهذا المنظر ؟ سواد يطفو على الماء كأنه هنة من التاع الخلَق أو حذاء قديم أو ريش تحسر عن طائره (أي سقط وتناثر ) أو راس رجل يغرق ، وما دفعه بيده إلى الماء فيكون حقا عليه أن يستنقذه ، ولا كان الغوص من صناعته فيعتمل في إخراجه ليخرج معه أجر عمله ، وهو قوي لكنه قوي لنفسه لا للضعفاء ، وقد جاء ليروح عن نفسه وإنقاذ الغريق عمل آخر وربما أنشبه في حلق الموت ...أخذ فيما جاء له وما زال يموج في جلده ويتنفس ملء صدره من الهواء ومن زفرات الإنسانية التي نتشق لها غيظا ، ومن لعنات ذلك الغريق الذي بدأت حياته تذوب كما ينماث في الماء (ينماث يعني يذوب)حتى آن له أن ينصرف وترك الرجل يغرق وهو يقول : لا بأس أن ينقص عدد أهل الأرض واحد فهم كثير !!


ترى عل من تكون هذه التبعة أيضا ؟؟؟






مسكينة مسكينة ..


قال الشيخ علي .... واسمع يا بني الآن ما أقص عليك، فإني محدثك بخبر ليتني ما علمته بل ليتني إذ علمته ما وعيته ، وليتني إذ وعيته ما أثبته ولا نفذت فيه كما نفذ في ...

ولكن الحياة كما تقضي علينا أن نشهد أموات الحياة ونحملهم إلى ابواب الآخرة من تلك الحفر تقضي علينا كذلك أن نشهد أحياء الأموات من أهل الرذائل ونحمل من أخبار ضمائرهم الميتة إلى أبواب السماء في أنفسنا !

فواها لك أيتها الحياة الدنيا ، تقتلين بالشر وتجرحين بأخباره ولا تؤتين عسل الحكمة إلا بعد لسع كثير ....

وقد علمنا أن كل شيء يسير فإنما هو يذهب في طريق يتهدى أم يعتسف وكأن الأسف على أهل الشر لم يجد له طريقا في هذه الحياة إلا أن ضمائر اهل الخير ، وبهذا يضرب الشر اهله وغير اهله ...

كانت لنا يا بني في هذه القرية فتاة يائسة ضاق بها العرض من هذا البر فخرجت إلى بعض المدن تستطعم الحياةَ ، فحدثتني أنها استضاقت ، حتى كأنما كانت تنفذ إلى رزقها من شق في صخرة في غار في جبل ... ثم استضاقت فكأنما ولجت هذا الغار فانحدرت تلك الصخرة فسدت عليها فلا ولا أمام وأعجزها حتى المعاش الملفق .!!

وخرجت يوما على الناس وكأنها لقذارتها قطعة من الحياة البلية مدرجة في بعض الأطمار ، أو روح من الهواء تمشي ساكنة في أردية من الغبار ، وما تحصي العين من تلك البقع المنتشرة في ثيابها كأنها أرقام للفقر يعد بها ليالي عذابها ، وهي علم الله بق أشأم من انها في رقع وقد اغبر شعرها الفاحم وتلبد فكأنه بعض ما وقع على راسها من حظها ألأسود ولاح من تحته وجه كالديار الزائف في صفرته ورده وكالقمر الممحوق في استطالته تحت الظلام ومده ..... وهي فتاة عليلة قد أخذ السقام من حجمها كما أطفأت الأقدار من نجمها وخفي من المرض في صدرها أكثر مما خفي بين الناس من قدرها وما تعرف من اسماء الأموات والأحياء غير أسماء اهلها ولا تملك من الأرض إكثر من غبار نعلها وقد خرجت تتحامل فكلما خافتت في مشيها قليلا خافت العثار فاستندت إلى جدار .... فإذا رايت ثم رايت صورة البؤس وكن في غير إطار ......

وإنها لتمشي وكأنها ليس فيها دم ينتهي إلى قدميها فهي تجرهما جرا ... وتقتلعهما بين الخطوة والخطوة ... ولا تدري من ألألم اهما عالى الأرض أم في الأرض تس

تحضير للطباعة أرسل هذا الخبر إنشاء ملفpdf من الخبر
 
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
القائمة الرئيسية
من متواجد الآن
10 متواجد (8 في الأخبار)

عضو: 0
زائر: 10

المزيد
اقسام الموقع

Powered by Azan Media © 2010-2011 The Azan Media Project